مقبول عن مقبول يِفرق.. لماذا نكافئ الجهد لا النتيجة؟
تخيل لو وقفنا خلف كواليس إحدى الرحلات الطلابية، وراقبنا ثلاثة طلاب يمسكون هواتفهم في لحظة استراحة، يكتبون رسائل لوالديهم. هذه الرسائل ليست كلمات فقط، بل هي "تقارير" عن ثلاث علاقات تربوية مختلفة تماماً:
النمط الأول: رسالة "الاستحقاق السهل"
يكتب الطالب الأول لوالده: "يبا، أنا شريت اللي ودّي فيه، شكرا".
هذا الطالب يعيش في ظل "المنح بلا سبب"؛ إذ أن المكافأة تسبق الجهد، والرغبة تُجاب قبل أن تتشكل. هو يحصل على كل شيء، لكنه يخسر أهم شيء: لذة الوصول. علمياً، هذا النمط يربي طفلاً "هشاً" أمام تحديات الحياة، لأنه لم يتعلم أبداً معنى كلمة "اصبر واجتهد".
النمط الثاني: رسالة "الجهد الضائع"
يكتب الطالب الثاني، ثم يتردد في الإرسال: "ابوي أنا أنجزت نص اللي اتفقنا عليه.. هل أنت معي؟".
هذا هو الابن الذي وضع له والده "تحدياً" ثم تركه في منتصف الطريق. غرق الأب في أشغاله، ونسي المتابعة، فبات الابن يبذل جهداً يشعر أنه "غير مرئي". في علم النفس، هذا الإهمال بعد الوعد يؤدي إلى "انطفاء الدافعية"؛ فالطالب يتوقف عن المحاولة ليس تعباً، بل لأنه يرى أن محاولاته في الاجتهاد لا يتردد صداها عند والده.
النمط الثالث: رسالة "الشراكة والتقدير"
أما الطالب الثالث، فيكتب: "ابوي، أنا أعتذر ما وصلت للي اتفقنا عليه، لكنني طبقتُ الطريقة التي تدربنا عليها".
فيأتيه الرد فوراً: "كفو عليك، المهم أنك حاولت، والمكافأة تنتظرك".
هذا هو النمط الذي يضع فيه الأب تحدياً ويبقى معه "شريكاً في الرحلة". هنا، لا تهم "النتيجة" بقدر ما يهم "الارتباط العاطفي". الابن هنا لا يركض خلف المكافأة، بل يركض خلف ذلك "الاعتراف" الذي يجعله يشعر بأنه بطل في عين والده مهما كانت الظروف.
أنماط التفاوض بين الأبناء والآباء
تنقسم ردود أفعال الآباء تجاه طلبات الأبناء إلى ثلاثة مسارات:
المنح غير المشروط: يعطّل حس المسؤولية لدى الطفل ويخلق شخصية اتكالية.
المقايضة المهملة: وضع شرط ثم نسيان المتابعة؛ مما يصيب الابن بـ "فقدان الدافع" وعدم فائدة الجهد.
المقايضة التفاعلية (النموذج الأمثل): ربط المكافأة بتحدٍ، مع تواجد الأب كشريك ومراقب لخطوات العمل لا للنتيجة فقط.
لماذا نكتب عن هذه الأنماط؟
إن الفرق بين هذه الرسائل الثلاث ليس في "قيمة الهدية"، بل في "بناء الإنسان". فبينما نصنع في النمط الأول شخصاً "اتكالياً".. ونصنع في الثاني شخصاً "محبطاً" يزهد في العمل.. نصنع في الثالث شخصاً "مسؤولاً" يدرك أن قيمته في سعيه.
فلسفة "السعي مقابل النتيجة"
لماذا ينجح البعض في تحويل فشل أبنائهم إلى وقود للنجاح؟ هل تكافئ ابنك على جُهده أم على نتيجته؟
شرف المحاولة: حين يكافئ الأب ابنه على اجتهاده ومحاولته بصرف النظر عن النتيجة لم يكن يكسر قانون "إذا لم تحقق لن تكافأ" بل لأن الأب كان ينظر من باب خبرته في الواقع، أن الجهد الحقيقي هو ما يستحق المكافأة وهذا هو "تعزيز الجهد".
الرسالة: الثناء على "العملية" (المذاكرة، دروس التقوية) يبني "عقلية النمو"، بينما الثناء على "النتيجة" فقط يجعل الطفل ينسحب عند أول فشل.
الاستحقاق النفسي: المكافأة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما يشعر الطفل أنه "استحقها" بتعبه، لا لأنها مجرد وعد مادي.
قصتي أنا الكاتب
في أواخر التسعينات صدر جهاز بلايستيشن 1 وكان انفجاراً في عالم الألعاب في وقته؛ كنت لا زلت طالباً في المرحلة الابتدائية (كانت درجاتي الدراسية ممتازة جداً في كل المواد ما عدا مادة الرياضيات).
على الرغم من اجتهادي في المذاكرة والحرص على المراجعة إلا أنني في كل مرة كانت درجتي هي "مقبول".
في عام إصدار هذه اللعبة وبعد أن انتشرت أخبارها، قررت أنا وإخوتي أن نطلب هذه اللعبة تحديداً مكافأة لنجاحنا الدراسي، لم يكن سعر اللعبة في ذلك الوقت يتناسب مع مصروف الدراسة فلم يكن بالإمكان جمع هذا المبلغ خلال النصف المتبقي من العام الدراسي فقررنا أن نُطالب بمكافأة من والدي.. في فترة الغداء بدأ أخي الأكبر في الحديث ليقيس استعداد والدي للنقاش.
ثم بعد أن تيقنا من استعداده وبعد التلميح والتمليح أخبرناه صراحة بهدفنا الذي اجتمعنا عليه..
فكّر والدي قليلاً حتى قال: حسناً، سأوافق على منحكم هذه اللعبة إن أحسنتم في دروس القرآن الكريم ودرجات المدرسة النهائية.
لم تكن هذه مشكلة بالنسبة لنا فسننجح حتى بدون المكافأة، لكن هنا تحدث والدي بشرط وحيد...
عليّ "أنا" أن أنجح بترتيب جيد في مادة الرياضيات، هنا الكل صُعق حتى أنا، لم أكن جيداً في الرياضيات وكانت درجتي ثابتة تقريباً على "مقبول" كنت آخذ دروس تقوية خاصة وأمارس حل المسائل الرياضية لكن لم تتحسن درجتي لمرة واحدة.
طالبني إخوتي بالاجتهاد فالجائزة المطلوبة رهنٌ بدرجاتي في الرياضيات، راجعت جدول الضرب وتدربت على حل المسائل الرياضية حتى أنني طلبت من أستاذي في المدرسة أن يُعطيني تمارين رياضية، كان أستاذي يساعدني بكل شيء، استقطع 10 دقائق في نهاية الدرس على أن يعطيني مسألة كل يوم على الدرس الذي درسه لنا لتثبت المعلومة، أحُل التمرين في الفصل ويراجعه ويعطيني الملاحظات ثم يعطيني مسألة لحلّها في المنزل، استمر الوضع على هذا الحال، حتى أنني كنت متأكداً بنسبة 100% أن نجاحي بامتياز ليس صعباً عليّ.. عندما كان يسألني والدي أقول له كل شيء سهل كن مستعداً لتعطيني "البلايستيشن"؛ كلي ثقة.
في يوم إصدار النتائج لنهاية العام الدراسي تفاجأت أن درجتي كانت "مقبول" كان سؤالي هل بذلت كل هذا الجهد مع طلب المساعدة لأحصل على هذه النتيجة؟؟
عدت إلى المنزل محبطاً، مكسور الثقة، ليس لي وجه لأقابل إخوتي فقد اعتمدوا عليّ...!
كانت اللعبة رهنٌ بدرجتي في الرياضيات.. جاء وقت الغداء لم أشتهي الأكل، لا أريد الحديث مع أحد.. لم يكن حزني على "مقبول" كانت دائماً ما تلازمني في هذه المادة.. كان على الجهد الضائع، على خيبة أمل إخوتي لاعتمادهم عليّ.
جلست على سفرة الطعام آكل، لم يتحدث أحد، حتى انتهينا من الطعام.. تحدث والدي: اغسلوا أيديكم وتعالوا للحديث..
اجتمعنا معه وكان يتحدث في كل شيء إلا الدرجات المدرسية، ثم تحدث: كيف كانت درجاتكم؟
تحدث الجميع وكل أعطاه تقريره المدرسي، لم أتكلم فقط أعطيته التقرير.
عندما نظر إلى تقريري لم يتفاجأ، هنا كنت أعتقد حتى هو لم يكن يثق في أنّي سأفعلها، كيف لي أن أثق في قدرتي على فعلها!
تنحنح ثم قال لي: يوجد كيس أسود في غرفتي هاتِه معك، جلبت الكيس ثم نظر إلي؛ قال: كان أستاذك "فلان" يمدحك يقول أنك اجتهدت، حتى والدتك تقول ذلك، حتى أنني لاحظت تحسن مستواك، لكنك لم تنجح كما وعدت...
افتح الكيس! فتحت الكيس لأجد صندوقاً ملفوفاً بورق بني اللون، قال: افتح الورق، شققت الورق فوجدت اللعبة التي كنا جميعاً نريدها "بلايستيشن 1" أول جهاز ألعاب ثلاثي الأبعاد، سي دي وليس كارتريدج كما في سيجا.
اندهشت، تلعثم لساني، تلخبطت مشاعري، لماذا؟ أنا لم أنجح؟ لم يخرج مني حرف واحد كان تلعثماً فقط.
ابتسم والدي ثم قال: أعتقد أنك محبط من نتيجتك، لكن ذلك ليس لك. أنت اهتممت وحاولت، بذلت جهدك وكنت واثقاً؛ لكني أراك اليوم مهزوزاً، مهزوماً. لا تعتقد يا ولدي أن كل جهد بذلته سيكافأ بالنتيجة المرجوة، أنت لك الجهد فقط، النتيجة ليست لك.
في الواقع عندما مُدح جهدي ومثابرتي أحسست بالتقدير حقاً، عندما أتذكر هذه الأحداث أعتقد أني بذلت الجهد ليس للمكافأة فقط بل للتقدير كنت أريد الثناء، كنت أريد أن يُرى عملي، أن أُمدح ثم بعد ذلك أردت المكافأة كثناء ملموس على جهدي... هنا تأكدت أن مقبول عن مقبول يِفرق؛ قُبِل الجُهد وقُبِلت النتيجة.
لم تضُرني درجة "مقبول" في حياتي؛ سافرت كثيراً، خُضت تجارب ناجحة وفاشلة؛ لم تتزعزع ثقتي ولم يخونّي عزمي. لأني تعلمت أن الجُهد "السعي" لي، لا النتيجة.
الاهتمام هو "المكافأة الحقيقية"
الطفل لا يرتبط باللعبة أو الرحلة بقدر ارتباطه بـ "نظرة الفخر" في عين والده.
المتابعة والسؤال عن التفاصيل أثناء فترة التحدي هم وقود الاستمرارية، وبدونها تصبح المكافأة "صفقة جامدة".
للأبناء: تعلم أن سعيك الصادق له قيمة مستقلة، وأن نجاحك يبدأ من "الانضباط" قبل أن يظهر في "الشهادة".
الخاتمة
إن تلك "المقبول" التي حصلتُ عليها في الرياضيات لم تكن مجرد درجة في شهادة ورقية، بل كانت أعظم اختبار نفسي مررتُ به. لو أن والدي حكَم عليّ بالرقم، لتعلمتُ يومها أن الجهد بلا نتيجة هو "عدم"، ولربما كبرتُ وأنا أخشى خوض التحديات خوفاً من تعثر الخطوات الأخيرة.
لكن بذكائه التربوي، علمني والدي أن "السعي" هو العملة الوحيدة التي أملكها، أما النتائج فهي هبة من الله تأتي في وقتها. المكافأة الحقيقية لم تكن في جهاز الألعاب الذي تآكل مع الزمن، بل في "الاعتراف" الذي سكن قلبي وبنى في داخلي جداراً صلباً من الثقة لا تهدمه خيبات النتائج.
لذا، قبل أن تنظروا في أوراق أبنائكم وشهاداتهم، انظروا في "أيديهم" وكم بذلت، وفي "عقولهم" وكم جاهدت. كافئوا المحاولة، احتفلوا بالعرق، وقدّروا السعي؛ فأنتم بذلك لا تمنحونهم مكافأة عابرة، بل تصنعون إنساناً "مسؤولاً" يدرك أن قيمته تبدأ من انضباطه الداخلي، لا ما تقوله النتائج.
تذكروا دائماً.. أن الجهد مأجور، وإن لم تُصب النتيجة.