"لا تكسر عينه، ولا تفسد جيبه.. (معادلة المصروف الصعبة)"

"لا تكسر عينه، ولا تفسد جيبه.. (معادلة المصروف الصعبة)"

لكل أب يستعد لسفر ابنه في رحلة مدرسية أو مخيم صيفي، ومحتار: "كم أعطيه؟ وكيف أضمن إنه ما يضيع فلوسه؟".

ولكل شاب يسافر لأول مرة ويحس إنه "تايه" مالياً، أو يخلص فلوسه في أول يومين ويتحرج يطلب.

في رحلاتنا ومخيماتنا التربوية (مثل مخيم لندن)، ورغم إننا نوفر للطلاب كل الأساسيات (سكن، وجبات، مواصلات).. إلا إننا نشوف العجب العجاب في تعامل الشباب مع "فلوس الترفيه والهدايا".

المشهد يتكرر بثلاثة نماذج، وكلها للأسف.. خطأ!

المشهد الواقعي: 3 أخطاء نراها في الرحلات

1. نموذج "البطاقة المفتوحة" (المسرف)

أب يعطي ولده بطاقة الصراف ويقول له: "اصرف على كيفك".

النتيجة: الولد يشتري أي شيء يلمع قدامه، يعزم الكل، يشتري "ماركات" ما يحتاجها. يرجع لأهله بصفر خبرة، وبعقلية استهلاكية مدمرة تعتقد إن "الفلوس ما تخلص".

2. نموذج "المحجور عليه" (فاقد الثقة)

أب يخاف على ولده، فيقوم يسلم الفلوس لـ "المشرف" ويقول: "لا تسلمونه المبلغ كامل يخربط فيه أو يضيعه.. عطوه كل يوم بيومه".

النتيجة: هذا الأب قتل شخصية ولده! الولد يحس بالإحراج قدام زملائه وهو يطلب من المشرف "مصروف"، ويشعر إنه "قاصر" ومو محل ثقة. كيف تبيه يصير قائد وهو ما يملك قرار شراء "آيس كريم"؟

3. نموذج "المتورط" (المفلس الخائف)

شاب معه مصروفه في بطاقته، لكن لأنه ما تعود يدير ميزانية، يخلص فلوسه في أول 3 أيام على مطاعم وتوافه.

النتيجة: الخوف. يخاف يكلم أبوه ويقول "خلصت"، فيبدأ يدخل في دوامة "السلف" من زملائه، وممكن يرجع للبلد وهو "مديون" أو يضطر للكذب عشان يغطي موقفه.

طيب.. وش الحل؟

قبل لا نجاوبك بالحل العملي (رنج الصرف)، خلونا نرجع خطوة للوراء.. ونسمع قصة شخصية عشتها بنفسي، وكانت هي الأساس اللي بنى عندي "المناعة المالية".

القصة: كيف قواني "الوالد" بدون ما يكسرني؟

كنت في صغري (12 سنة)، أعتمد على "الطلب". وفي يوم من الأيام، نصحني الوالد نصيحة العمر: "اليد العليا خير من اليد السفلى.. الرجال هو اللي يعطي وينتج، مو اللي بس يطلب".

أخذت النصيحة بحماس، وقررت أشتغل في "الخفاء" (لأن الوالد كان يبي تركيزي في الدراسة). جمعت فلوس، ولما كشف الوالد موضوع عملي، ما عاقبني.. بل فهم الرسالة بذكاء: "الولد كبر، ويحتاج إدارة بدل الرعاية".

التغيير الجذري — نظام المصروف

الوالد ألغى نظام "المصروف اليومي" (خذ ريالين للمدرسة)، وحوله إلى مصروف أسبوعي.

قال: "هذا مصروف الأسبوع بيدك يوم السبت.. دبر نفسك للجمعة. ما فيه زيادة".

أول مرة استلمت المبلغ، صرفته كله يوم الإثنين! وجلست باقي الأسبوع "مفلس".

كان درس قاسي.. الجوع والحرمان في آخر الأسبوع علمني اللي ما تعلمته في المدارس.

بعدها، ترقى النظام لـ مصروف شهري. هنا صرت "وزير مالية": أفطر بالبيت عشان أوفر، وأمشي بدل التاكسي، عشان أجمع لشيء أبيه نهاية الشهر.

الحل: معادلة التوازن في السفر والحياة

نرجع لموضوع المخيم والسفر..

بناءً على قصتي، وعلى الآية الكريمة التي تضبط الميزان: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ...}.. إليكم الحل الأمثل للتعامل مع أبنائكم، سواء في مخيم لندن أو في الحياة العامة:

1. حدد "رنج الصرف" (Budget Range)

في مخيماتنا، نقول للآباء بوضوح: "إحنا موفرين الأكل والسكن. ولدك يحتاج مبلغ (من ... إلى ...) فقط".

لماذا؟ عشان يعرف إن عنده "سقف" ما يتجاوزه. هذا المبلغ مخصص لـ (الكوفي، الهدايا، مشتريات شخصية).

الفائدة: يحس بالحرية في حدود "المعقول".

2. سلم المسؤولية (لا للمشرف، لا للبطاقة المفتوحة)

حول المبلغ لحساب الولد أو سلمه له "كاش" بيده.

قل له: "يا ولدي، هذا المبلغ لك طول الرحلة (أو طول الشهر). تبي تصرفه كله في أول يوم وتجلس تتفرج باقي الأيام؟ براحتك. تبي تقسمه وتنبسط كل يوم؟ براحتك. لكن.. ما فيه تحويل إضافي!"

ملاحظة: المبلغ لازم يكون "متوازن"، يكفيه لو تصرف باعتدال، لكن يورطه لو أسرف.

3. اتركه يغلط (التربية بالألم)

إذا ولدك صرف كل فلوسه في لندن أول يومين.. لا تنقذه فوراً!

خليه يجرب شعور إنه يتمشى مع أخوياه وما يقدر يشتري مثلهم، خليه يجرب يقتصد في العشاء عشان يوفر حق المترو.

هذا "الألم" هو اللي بيخليه يرجع لك المرة الجاية "محاسب محترف".

4. قاعدة "اكسب لتصرف"

إذا خلص مصروفه وبدأ يطلب زيادة.. هنا فرصة ذهبية.

لا تعطيه مجاناً، ولا ترفض بقسوة وتخليه يتسلف.

الجواب الذكي: "تبي زيادة؟ ما عندي مانع.. بس مقابل إيش؟"

اتفق معه يمسك مهمة إضافية في الرحلة، يكتب تقرير، يساعد في التنظيم.. أي شيء يحسسه إن المال مقابل "قيمة وجهد".

الخلاصة

يا عزيزي الأب.. ويا عزيزي الابن..

المال في السفر والحياة ليس مجرد وسيلة للشراء، هو "كاشف للشخصية".

للآباء: أعطوا عيالكم الثقة، وحددوا لهم الميزانية، وخلهم يتحملون نتائج قراراتهم.

للأبناء: استمتعوا، بس تذكروا إن "إدارة المال" هي أول خطوة في طريق "الرجولة" والاستقلال.

"علم ولدك كيف يصرف الـ 100 ريال بذكاء اليوم.. عشان يعرف كيف يدير المليون بكرة."